أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، تقوى الله التي لا يقبل غيرها ولا يرحم إلا أهلها ولا يثيب إلا عليها.
أيها المؤمن بالله جل جلاله: أيقنت وعلمت بما علمك رسوله أن الله إنما ينظر إلى قلبك، فكيف يليق بك أن تمر بك الأيام والليالي والأسابيع والأشهر وأنت غير ناظر إلى قلبك، غير متفقد لقلبك، غير منتبه من قلبك، غير مراع لحالات قلبك وأوصافه وما يحل فيه، إن هذا حال من لم يبالي بنظر رب العالمين الكبير المتعال، إن هذا حال من أهمل فرص الأيام والليالي، وما أهمل من الفرص عاد إلى غصص على أصحابها، إن هذا حال الغافل وإن هذا حال الجاهل، فتأمل شأن قلبك وما يدور فيه، وما يحل فيه من صفة ونعت، وما يكون فيه من وجهة وإرادة.
فإن رب العرش ينظر منك إلى قلبك إن حضرت جمعة أو قمت في صلاة، أو قرأت قرآنا أو تصدقت بصدقة، أو وصلت رحما أو بررت والدين أو عملت أي خير أو غير ذلك، ينظر إلى قلبك وفؤادك.. أفلا يكون لك اهتمام؟ أفلا يكون لك اعتناء بشأن قلبك وفؤادك؟ مع عالم سرك وجهرك المطلع على جميع أمرك، من منه مبتدأك وإليه مرجعك وإليه مصيرك، وأنت بقدرته وإرادته كونت، وأنت إلى الوقوف بين يديه والرجوع إليه كائن شئت أم أبيت؟ وإنما يرجع الجميع إلى رب الجميع، وينادى طوائف من أهل النار: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) ، (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم).
أيها المؤمنون بالله: وبالتنبه لحال القلب يدرك الإنسان قيمة الوقت الذي يمر به، والزمن الذي يدركه في عمره، وتوالي الأشهر عليه من بين الأشهر الحرم وسواها من بقية الأشهر، التي جعلها الرحمن مواسم للارتقاء وللنقاء وللتقى وللإنابة وللخشية وللتوبة وللتذكر وللرجوع وللشكر وللذكر؛ هذه أعظم مقاصد وحكم وجود الأيام والليالي ومرورها بكل مكلف وكل من يعيش على ظهر الأرض من عباد الله المكلفين.
أيها المؤمنون بالله: قال الرحمن عن نفسه: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) ، قال سبحانه وتعالى